حيدر حب الله

23

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

كما وقع لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي الشاعر ، هذا فضلًا عن العرف . والأوضح من ذلك ما ذهب إليه بعضهم من كفاية الرؤية ولو من دون تمييز ، ومثاله محمد بن أبي بكر الذي ولد قبل وفاة النبي بثلاثة أشهر وبضعة أيام « 1 » ، فكيف يُطلق لغةً وعرفاً على مثله أنّه من أصحاب النبي ؟ وأوضح من ذلك أخذ عنوان إدراك زمن النبي ولو لم يره ، فلا العرف ولا اللغة تقبل بإطلاق وصف الصحابي أو الصاحب على مثل هذا الشخص . وبهذا يظهر أنّ اللغة والعرف لا يساعدان على التفسير الرابع والخامس أيضاً هنا . أما الشرع ، فالذي يبدو مستنداً لهذا التعريف الذي اختاره الإمام البخاري ، ما ورد في صحيح مسلم ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال : « يأتي على الناس زمان يغزو فئام « 2 » من الناس ، فيقال لهم : فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وآله فيقولون : نعم ، فيفتح لهم . . » « 3 » . فهي دالّة على كفاية الرؤية في تحقّق دخول الجنّة ، مما يعني أنّ عنوان الصحابي شاملٌ - شرعاً - لكلّ من رأى النبي . إلا أنّ الاستدلال بهذه الرواية غير صحيح ، وذلك : أ - لورودها بصيغة « من صحب رسول الله » ، بدل « من رأى » ، في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما « 4 » ، ومع تردّد الحديث بين صيغتين يصعب الوثوق بواحدة معيّنة منهما ، فيؤخذ بالقدر المتيقّن ، وهو هنا عنوان الصحبة دون الرؤية . ب - ما ذكره بعض المعاصرين ، من أنّ هذا الحديث لو كان مرجعاً شرعيّاً في كفاية الرؤية ، لشمل - شرعاً - الكافرين والمنافقين ، مع أنّهم لا يلتزمون بذلك « 5 » .

--> ( 1 ) انظر : ابن حجر ، فتح الباري 7 : 2 . ( 2 ) الفئام : الجماعة من الناس ، لا واحد له من لفظه . انظر : لسان العرب 12 : 447 - 448 . ( 3 ) صحيح مسلم 7 : 184 . ( 4 ) صحيح البخاري 4 : 175 ، 188 - 189 ؛ وصحيح مسلم 7 : 184 ؛ ومسند ابن حنبل 3 : 7 . ( 5 ) انظر : حسن بن فرحان المالكي ، الصحبة والصحابة : 117 .